مرتضى الزبيدي

187

تاج العروس

ومن المجَاز : جَرَّت الخيلُ الأرضَ بسَنابِكِها ، إذا خَدَّتَهَا ( 1 ) ، وأنشدَ : أخادِيدُ جرَّتْهَا السَّنَابِكُ غادَرَتْ * بها كلَّ مَشْقُوقِ القَمِيصِ مُجَدَّلِ قيل للأصمعيِّ : جَرَّتْهَا من الجَريرَة ؟ قال : لا ، ولكن من الجَرِّ في الأَرض والتَّأْثِير فيها ، كقوله : * مَجَرّ جُيُوشٍِ غانِمِينَ وخُيَّبِ * ومن أمثالهم : " سطى ( 2 ) مَجَرّ ، ترُطِبْ هَجَرْ " ، يُرِيدُ تَوَسَّطِى يا مَجَرَّةُ كَبِدَ السّماءِ ، فإن ذلك وَقْتُ إرْطابِ النَخِيل بهَجَر . وفي حديثِ عُمَر : " لا يَصْلُحُ هذا الأمرُ إلا لمَن لا يَحْنَقُ على جِرَّتِه " ، أي لا يحْقِدُ على رَعيَّتِه ، فضَرَب الجِرَّةَ لذلك مثلاً . ويقال : معنَى قولهم : فلانٌ لا يَحْنَقُ على جِرَّته ، أي لا يَكْتُمُ سِرّاً . ومن أمثالهم : " لا أفعلُه ما اختلفَ الدِّرَّةُ والجِرَّةُ " ، و " ما خالَفَتْ دِرةٌ جِرَّة " ، واختلافُهما أن الدِّرَّةَ تَسْفُلُ إلى الرِّجْلَيْن ، والجِرَّةَ تعلُو إلى الرَّأْس . ورَوَى ابنُ الأعْرابيِّ : أن الحَجّاجَ سَأَلَ رجلاً قَدِمَ مِن الحِجَاز عن المَطَر ، فقال : تَتابَعَتْ علينا الأَسْمِية حتى مَنَعَت السِّفار ، وتَظَالَمَت المعْزَى ، واجْتُلِبَتِ الدِّرَّة بالجرة ، اجتلابُ الدِّرَّة بالجِرَّة أن المواشيَ تَتَمَلأَّ ، ثمّ تَبْرُكُ أو تَرْبِض ، فلا تَزالُ ( 3 ) تَبْرُكُ تَجْتَرُّ إلى حينِ الحَلْب . وفي الصّحاح ، والمصنِّف ، وأكثر مصنِّفاتِ اللغة : قولهم : هَلُمَّ جَرّاً . قالوا : معناه على هِيَنِتِكَ . وقال المُنْذِريُّ ( 4 ) ، في قولهم : هَلُمَّ جرُّوا ( 5 ) ، أي تَعَالَوْا على هِينَتِكم كما يَسْهُل عليكم من غير شدَّة ولا صُعُوبة ، وأصْل ذلك من الجرِّ في السَّوْق ، وهو أن يَتْرُكَ ( 6 ) الإبلَ والغَنَم تَرْعَى في مَسِرهَا ، وأنشد : لَطَالَما جَرَرْتُكنَّ جَرَّا حتَّى نَوَى الأَعْجَفُ واسْتَمَرَّا فاليَومَ لا آلو الرِّكاب شَرَّا يقال : جُرَّها على أفواهِها ، أي سُقْها وهي تَرْتَع وتُصيبُ من الكَلأ . ويقال : كان عاماً أوّلَ كذا وكذا فهَلُمَّ جَرّاً إلى اليوم ، أي امتدَّ ذلك إلى اليوم . وقد جاءَتْ في الحديث في غير موضع ، ومعناه استدامة الأمر واتِّصَاله ، وأصْلُه من الجَرِّ : السَّحْبِ ، وانتصبَ جَرًّا على المصدر ، أو الحال . قال شيخنا : وقد توقَّفَ فيه ابن هِشام ، هل هو من الأَلفاظ العربيَّة أو مولَّد ، وخَصَّه بالتَّضَيُّف ( 7 ) ، وتَعَقَّبَه أبو عبدِ الله الرّاعِي في تأْليفه ، الذي وَضَعَه لرَدِّ كلامِه ، وَبَسَطَ الكلامَ عليها ابن الأنباريّ في الزّاهر ، وغير واحد . وأوْرَدَ الجَلاَل كلامَ ابن هشَام في كتابه : الأشْبَاه والنَّظَائر النحويَّة ، منقَّحاً تامّاً ، وقد أوْدَعْت هذا البحثَ كلَّه في رسالة مُستقلَّة ، أغْنَتْ عن أن نَجْلب أكثرَ ذلك ، أو أقلَّه . انتهى باختصار . والجَرْجَرَة : صَوْت البَعِير عند الضَّجَر . وفي الحديث : " قَومٌ يقرءُون القرآنَ لا يُجَاوِز جَرَاجرَهم " ، أي حُلوقَهُم ، سمّاهَا جَراجِرَ لجرْجَرَةِ الماء ، ومنه قول النّابغَة : * لَهَاميمُ يَسْتَلْهوُنَها في الجَراجِرِ ( 8 ) * وقيل : يُقال لها : الجَرَاجرُ ، لما يُسمع لها من صَوْتِ وُقوع الماءِ فيها . والجُرَاجِرُ : الجوْف . وذَكَرَ الأَزْهريُّ في هذه التَّرْجمَة : غَيْثٌ جِورٌّ ، كهِجَفٍّ ، أي يَجُرُّ كلَّ شيْءٍ .

--> ( 1 ) عن الأساس ، وبالأصل " أخذتها " وقد نبه إلى عبارة الأساس بهامش المطبوعة المصرية . ( 2 ) ضبطت في اللسان بفتح السين خطأ والصواب ما ضبطناه والفعل : وسطه يبسطه وسطا كوعد . ( 3 ) في المطبوعة الكويتية : " فلا تزال تبرك تجتر " بزيادة " تبرك " تحريف . ( 4 ) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : هلم جرا . ( 5 ) القول الآتي هو قول المفضل بن سلمة نقله المنذري عنه كما في التهذيب . ( 6 ) التهذيب : تترك الإبل . ( 7 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله : بالتضيف كذا بخطه والذي في المطبوعة : بالتصنيف ، وليحرر " . ( 8 ) ديوانه وصدره فيه : عظام اللهى أولاد عذرة إنهم